عندما يَخمد الضجيج – أوغندا


“كيف لك أن تحتمل أصوات الضّجيج التي تصدرها؟”، سأل صبي صغير المسافر وهو ينظر إليه بفضول. ثمَّ إنَّ المسافر أسند ظهره إلى شجرة كان بالقرب منها وأغمض عينيه وأسلم نفْسه للتأمل فيما سُئِل. وبينما هو على تلك الحال، كان صوت هدير أنفاسه ينخفض شيئاً فشيئاً حتى تلاشى وأصبح خفقان قلبه يُسمع وحده دون أية أصواتٍ أخرى. وهكذا مرت الأيام وظل على تلك الحال لعدة أزمان إلى أن سمع دقات قلب آخر بالقرب منه. ففتح عينيه مضطرباً، وأخذ ينظر يميناً وشمالاً ويتخبط هنا وهناك ولكنه لم يرَ شيئاً سوى الماء الذي كان يحيط به من كل جانب. ولما أحسّت أُمُّه التي تحمله بين أضلاعها باضطرابه وقلقه، وضعت يديها بالقرب منه ليشعر حينها بطمأنينةٍ وسلام. وفيما هو يشعر بذاك الأمان، قال في نفسه: “سأمحو الشَّر الذي في نفسي كي لا أُصدر أي ضجيج حين أولد تارةً أخرى”.

حين نُدرك الأفق – أوغندا


“لقوس القزح ثمانية ألوان” قالت طفلة للمسافر الذي كان يهم بإعطاء الحلوى لها. ثم توقف عن ذلك ونظر إلي عينيها باستهجان حين أكملت حديثها قائلةً: إنه لون لا يتكون سوى بمزج ألوانه السبعة. بعد ذلك استدارت وسارت على قوس قزح ذو لون أبيض كانت قد رسمته وبتآلف مع صغار آخرين هناك. أما المسافر، فلا تزال الحلوى بيده ولا يزال يقف مكانه وحيداً لا يدرك إلى ذاك القوس سبيلاً.

في زَمن الطيبة – سريلانكا


قال الإنسان لنورهاند الشجرة الطيبة: قد أنست بظلك ولم تحرميني إياه أبداً، وأكلت من ثمارك فلم أشعر بجوع قط، ونعمت بصحبتك ولم أسمعك تتذمرين مني أبداً طوال أزمان وأزمان. فهل أنت من يعطي الأرض الإنسان، ومن العناء يصنع البهاء؟

قالت الشجرة: بل إنه الإنسان حين يطيب قلبه للخير وتطيب به نفسه لمن حوله، من يفعل ما ذكرت.

ثم إن أعواماً عديدةً قد مضت لترحل بعدها الشجرة ونعيمها ويظل الإنسان وحيداً وشقياً دونها. وبعد مضي أعواماً عديدة غيرها، أدرك إذ ذاك بأن نعيمها لم يرحل معها، إذ إنها لا تزال فكرة تحوم في ذهنه، تتفاعل وتكبر في داخله وتؤثر في كل أمر يدور فيه أيضاً.

ولما حان وقت رحيله، قال للنفس التي هو منها: أرجو ألا أخشى عليك أبداً إن كنت سأبقى هنا فكرة طيبة مثلها.

حين نُصدق الخيال – سورية


هناك، عالياً عالياً في السماء، تقع مدينة بيوتها شُكلت من السحب وأناسها بإمكانهم التحليق والطيران كما تفعل الطيور. أما هناك، بعيداً بعيداً في هذا البحر الواسع، حيث المياه عميقة جداً وعند أدنى عمق فيه، تقع مدينة عمرانها من المرجان وسكانها بإمكانهم السباحة والغوص كما تفعل الأسماك. هكذا كان يحدث هؤلاء الصغار المسافر ويحكون له حكايات كثيرة عن تلك المدن العجيبة. وكانوا بحماس كبير يشيرون بأيديهم إلى السماء تارة وإلى البحر تارة أخرى. ولمّا أنهوا حكاياتهم سألهم المسافر مستغرباً: “من أين لكم بتلك الخرافات؟ ومن هو الذي اخترعها ثم قصها عليكم؟”.

لم يجبه أياً منهم في بادئ الأمر، بل اكتفوا بالنظر إليه وكأنهم يأسفون لحاله. ثم قال أحدهم بعد لحظات: “يا لكم من مساكين أنتم الكبار! لا تصدقون سوى ما ترغب نفوسكم بتصديقه”. وما إن أنهى ما قال حتى وصل إليهم حيث كانوا يقفون عند الشاطئ قارب مسطح دائري الشكل يشع بضياء لونه كلون شعاع الشمس عند شروقها. وبعد أن صعدوا إليه، وأبحروا في البحر بعيداً، رأى المسافر بعضهم وهم يحلقون عالياً عالياً إلى السماء حيث مدينة السحاب، ورأى بعضهم الآخر وهم يسبحون بعيداً بعيداً في أعماق البحر حيث مدينة المرجان.