في زَمن الثرثرة – سورية

“لماذا تتكلم فيما لا تحسن؟”. سأل فتى صغير أحدهم في تلك المدينة المنتصبة على قمة جبل شاهق. كان الاستياء يملأ صدره فجعل يسأل سكان المدينة وهو يحدق بهم مراراً وتكراراً ولسنوات طوال دون أن يجد إجابة يقنع بها. ولما يئس، رحل بعيداً ولأعوام عديدة ليعود بعد ذلك ويجد المدينة والجبل الذي يحملها قد غطتهما أحرفٌ نطقت بها أفواه سكانها. كانت الأحرف تخرج من بطونهم حين ينطقون فيما لا يحسنون ولم يردعهم العذاب الذي كانوا يشعرون به أثناء خروجها منهم. وبعد حين من الزمان لم يعد يُرى من الجبل ومدينته سوى ركام تلك الأحرف.

حين نُصدق الخيال – سورية


هناك، عالياً عالياً في السماء، تقع مدينة بيوتها شُكلت من السحب وأناسها بإمكانهم التحليق والطيران كما تفعل الطيور. أما هناك، بعيداً بعيداً في هذا البحر الواسع، حيث المياه عميقة جداً وعند أدنى عمق فيه، تقع مدينة عمرانها من المرجان وسكانها بإمكانهم السباحة والغوص كما تفعل الأسماك. هكذا كان يحدث هؤلاء الصغار المسافر ويحكون له حكايات كثيرة عن تلك المدن العجيبة. وكانوا بحماس كبير يشيرون بأيديهم إلى السماء تارة وإلى البحر تارة أخرى. ولمّا أنهوا حكاياتهم سألهم المسافر مستغرباً: “من أين لكم بتلك الخرافات؟ ومن هو الذي اخترعها ثم قصها عليكم؟”.

لم يجبه أياً منهم في بادئ الأمر، بل اكتفوا بالنظر إليه وكأنهم يأسفون لحاله. ثم قال أحدهم بعد لحظات: “يا لكم من مساكين أنتم الكبار! لا تصدقون سوى ما ترغب نفوسكم بتصديقه”. وما إن أنهى ما قال حتى وصل إليهم حيث كانوا يقفون عند الشاطئ قارب مسطح دائري الشكل يشع بضياء لونه كلون شعاع الشمس عند شروقها. وبعد أن صعدوا إليه، وأبحروا في البحر بعيداً، رأى المسافر بعضهم وهم يحلقون عالياً عالياً إلى السماء حيث مدينة السحاب، ورأى بعضهم الآخر وهم يسبحون بعيداً بعيداً في أعماق البحر حيث مدينة المرجان.